ابراهيم بن علي الشيرازي
17
طبقات الفقهاء
والراشي بهذه القرصة على وجه القرصة الأخرى فمضى الرجل وشك بأي القرصين اشترى ، فما أكل الشيخ ذلك وقال : لا أدري اشترى بالذي وكلته أم بالأخرى . ودخل مسجداً لتيغدى فنسي ديناراً كان معه ثم ذكره فرجع فوجده ، قم قال لنفسه : لعله وقع من غيري ، فتركه ولم يأخذه ؛ وكان سليم النية سلس الانقياد ، وبهذا وصفه نظام الملك - كما تقدم - وقال إنه يصغي إلى كل ما ينقل إليه . ويبدو أن حالة الفقر ظلت غالبة عليه حتى تولى التدريس في النظامية وهذا ما عناه الشريف أبو جعفر حين قال له : " إلا أنك لما كنت فقيراً لم يظهر لنا ما في نفسك فلما جاء الأعوان . . . . أبديت ما كان مخفياً " وهذا قول قد يقال في لحظة غضب ، ولا يدل على أن أبا إسحاق أصبح ميسور الحال ، ولكنه أصبح ولا ريب أقدر من ذي قبل على صد الجوع والعري . غير أن الرجل لم يفارق تعففه ، وفي رحلته في خراسان أبى أن ينزل عند أحد من أصحابه ؛ ولهذه الأخلاق أحبه الناس ، وزادهم حباً له تواضعه الشديد ، وطلاقة وجهه وبشره الدائم وحسن مجالسته وملاحة مجاورته ، فكان رغم الفقر والتقشف ذا دعابة لطيفة : زاره أحد الراحين إليه فرحب به وقال له : من أي بلاد أنت ؟ فقال : من الموصل ، فقال : أنت بلديي ، فقال الموصلي : ولكن يا سيدي أنا من الموصل وأنت من فيروزاباد ، فأجابه أبو إسحاق : يا ولدي ، أما جمعتنا سفينة نوح ؟ وكان يحلي مداعباته بإيراد الأشعار ؛ داعب أبا طاهر خادمه في المدرسة النظامية ذات مرة بقوله : وشيخنا الشيخ أبو طاهر . . . جمالنا في السر والظاهر وكان يحب تلامذته ويقول : من قرأ علي مسألة فهو ولدي . وبسبب ذلك الفقر لم يحاول أن يحج ، وهذا وحده يدلنا على أن صلته بنظام الملك لم تغير كثيراً من حاله المادية ، قال الماهاني : الشيخ أبو إسحاق